عبد القاهر الجرجاني

184

دلائل الإعجاز في علم المعاني

تفسير ذلك : أنك إذا قلت : " أتاني القوم مجتمعين " ، فقال قائل : " لم يأتك القوم مجتمعين " ، كان نفيه ذلك متوجّها إلى الاجتماع الذي هو تقييد في الإتيان دون الإتيان نفسه ، حتّى إنه إن أراد أن ينفي الإتيان من أصله ، كان من سبيله أن يقول : " إنهم لم يأتوك أصلا ، فما معنى قولك : مجتمعين " . هذا مما لا يشكّ فيه عاقل . وإذا كان هذا حكم النفي إذا دخل على كلام فيه تقييد ، فإن التأكيد ضرب من التقييد . فمتى نفيت كلاما فيه تأكيد ، فإن نفيك ذلك يتوجّه إلى التأكيد خصوصا ويقع له . فإذا قلت : " لم أر القوم كلهم " أو " لم يأتني القوم كلهم " أو " لم يأتني كلّ القوم " أو " لم أر كلّ القوم " ، كنت عمدت نفيك إلى معنى " كل " خاصة ، وكان حكمه حكم " مجتمعين " في قولك : " لم يأتني القوم مجتمعين " . وإذا كان النفي يقع " لكلّ " خصوصا فواجب إذا قلت : " لم يأتني القوم كلهم " أو " لم يأتني كل القوم " ، أن يكون قد أتاك بعضهم كما يجب إذا قلت : " لم يأتني القوم مجتمعين " ، أن يكونوا قد أتوك أشتاتا . وكما يستحيل أن تقول : " لم يأتني القوم مجتمعين " ، وأنت تريد أنّهم لم يأتوك أصلا لا مجتمعين ولا منفردين كذلك محال أن تقول : " لم يأتني القوم كلهم " ، وأنت تريد أنهم لم يأتوك أصلا ، فاعرفه . واعلم أنك إذا نظرت وجدت الإثبات كالنفي فيما ذكرت لك ، ووجدت النفي قد احتذاه فيه وتبعه . وذلك أنك إذا قلت : " جاءني القوم كلهم " ، كان " كلّ " فائدة خبرك هذا ، والذي يتوجّه إليه إثباتك ، بدلالة أن المعنى على أن الشك لم يقع في نفس المجيء أنّه كان من القوم على الجملة ، وإنما وقع في شموله " الكل " ، وذلك الذي عناك أمره من كلامك . وجملة الأمر أنه ما من كلام كان فيه أمر زائد على مجرّد إثبات المعنى للشيء ، إلّا كان الغرض الخاصّ من الكلام ، والّذي يقصد إليه ويزجّى القول فيه . فإذا قلت : " جاءني زيد راكبا " ، و " ما جاءني زيد راكبا " كنت قد وضعت كلامك لأن تثبت مجيئه راكبا أو تنفي ذلك ، لا لأن تثبت المجيء وتنفيه مطلقا . هذا ما لا سبيل إلى الشكّ فيه . واعلم أنه يلزم من شكّ في هذا فتوهّم أنه يجوز أن تقول : " لم أر القوم كلهم " ، على معنى أنك لم تر واحدا منهم أن تجري النّهي هذا المجرى فتقول : " لا تضرب القوم كلّهم " ، على معنى لا تضرب واحدا منهم وأن تقول : " لا تضرب